Jan 5, 2008

صناعة اليأس


الإحباط الذي يعيشه بعض الناس يجعلهم كالغريق الذي يطلب النجاة على ظهر "قشة" !.. ونحن _ أحيانا كثيرة _ بمحض إرادتنا، وسابق إصرارنا، نصنع هذا الإحباط واليأس ثم نغرق فيه

صناعة اليأس تبدأ حين نخطيء في صناعة الأمل.. حينما (نتهور) في الخروج من اليأس ولو بالتمسك (بقشة) أمل.. حينما نرسم صوراً مثالية للأحداث والأشخاص والمجموعات ثم نفاجأ بواقع مختلف.. مختلف جداً عن الخيال الذي نسجناه
إن من الخطأ أن يعيش المرء بلا أمل، ولكن الخطأ الفاحش هو في التخبط في توزيع الأمل. راقب الساحة من حولنا؛ كثيرا ما نتخلى بغضب عن مشاريع وأشخاص و مؤسسات.. ليس لأنَّ دورها كان أصغر مما يجب، بل لأن الأمل
المعقود عليها كان أكبر مما ينبغي

وتذكر دائماً .. أنه لا مكان لليأس قط إنْ أحسنا صناعة الأمل
د. مصعب الطيب

Jan 4, 2008

عالم الوحشة و الغربة


ما هو أكثر شيء يسعدك في هذه الدنيا ..؟؟ المال .. الجاه .. النساء .. الحب .. الشهرة .. السلطة .. تصفيق الآخرين ... ؟ إذا كنت جعلت سعادتك في هذه الأشياء فقد استودعتْ قلبك الأيدي التي تخون و تغدر و أتمنتْ عليها الشفاه التي تنافق و تتلون، إذا جعلت من المال مصدر سعادتك.. فقد جعلتها في ما لا يدوم، فالمال ينفد، و بورصة الذهب و الدولار لا تثبت على حال . و إذا جعلت سعادتك في الجاه و السلطان .. فالسلطان كما علّمنا التاريخ كالأسد أنت اليوم راكبه و غداً أنت مأكوله . و إذا جعلت سعادتك في تصفيق الآخرين.. فالآخرين يغيرون آراءهم كل يوم



لقد وضعت كل رصيدك في بنك القلق و ألقيت بنفسك إلى عالم الوحشة و الغربة و استضفت راحة بالك على الأرصفة .. و نزلت في فنادق قطّاع الطرق .. و لن يهدأ لك بال و لن تعرف طعم الراحة و لن تعرف أمنا ًو لا أماناً ، و لن تذوق للطمأنينة طعما حتى آخر يوم في حياتك ، لأنك أعطيت أثمن ما تملك .. أعطيت روحك لعالم الفرقة و الشتات، و رهنت همك و اهتمامك بعائد اللحظة ، و علقت قلبك بكل ما هو عابر زائل متقلب ، و أسلمت وجدانك ينهشه وحش الوقت . وإذا جعلت سعادتك في حب امرأة .. فأين هي المرأة التي لم تتغير ؟ و أين هو القلب الذي لم يتقلب ؟ أين نجد هذا القلب إلا في الخيال في دواوين الشعراء الذين يقولون ما لا يفعلون و الذين هم في كل واد يهيمون . سبعون ألف نبي في تقدير بعض العارفين عبروا هذه الأرض و بلغوا أقوامهم نفس الشيء و أعادوا عليهم نفس الدرس و رددوا نفس الكلمات . و الناس مازالوا على حالهم لا يرى الواحد منهم أبعد من لحظته . مازالوا على جاهليتهم الأولى يتدافعون بالمناكب على نفس الخسائس يرون حاصد الموت يحصد الرقاب من حولهم و لا يعتبرون . بل هم اليوم أكثر نهما و أكثر تهالكا و أكثر تهافتا على اللاشيء و يقول لهم القرآن : (( و في أنفسكم أفلا تبصرون )) . و في أنفسهم و أقرب إليهم من حبل الوريد ، غاية الغايات و منتهى الأرب ، و قبلة المقاصد و مهوى الأفئدة و متعلق جميع المعارف .. الحق بذاته .. الله سبحانه و تعالى بنوره الأقدس . الرحاب الأبهى و شميم الجنة و رفيف الملائكة في نفوسهم .. أقرب إليهم من حبل الوريد .. أقرب إلى الواحد منهم من نطقه .إلى هذا المدى من القرب .. و إلى هذا المدى من اللطف .. يبلغ إيناس الرب لعبده .. و لا غرابة .. ألا تصير النفس الإنسانية قابلة لتجليات الأسماء الإلهية فيصبح الواحد منا رءوفا رحيما ودودا كريما حليما عفوا سميعا بصيرا عليما .إلى هذ المدى يستوي الرحمن على عرش سماوتنا الداخلية ، و يكاشفنا بأنه أقرب إلينا من حبل الوريد .. و هو من هو .. جامع الكمالات على إطلاقها .. ثم نتولى عنه معرضين نتدافع بالأكتاف و نتسابق بالمناكب خلف كل زائل و تافه .و نتكلم عن الحب .. و في عمق نفوسنا من هو أولى بالحب كل الحب .. بل واهب الحب لكل محب و محبوب و سر الحب في كل محب و محبوب .. بل عين القيمة في كل ما هو قيم .. و عين الجمال في كل جميل . ونتولى معرضين نجري خلف بريق اللحظات و نتشتت و نتوزع و تتجاذبنا الغوايات و نتمزق إلى شتات و نموت في وحشة و غربة و محصولنا مما جمعناه صفر .و الله أقام شريعته غيرة علينا و على ما أودع فينا من روحه و رحمة بنا حتى لا نضيع ، و الشيطان يحاول أن يحجبنا عن هذا الثراء الداخلي حسدا و حقدا على ما فضلنا الله به .. و نحن نختار صحبة العدو على الصديق .. و نستمع إلى العدو و لا نلتفت إلى الصديق ، و نلازم العدو و نهجر الصديق . و ما أكثر ما قتل الأقوام من أنبيائهم و أهل الغفلة من شهدائهم ، و عالمنا اليوم أشد في جاهليته و أعتى في ماديته من كل ما مضى من عوالم


في داخلنا الشاطئ و المرساة و بر الأمان، سند الضمان فينا و لسنا في حاجة إلى التأمين على حياتنا في بنك خارجي، لا داعي لكل هذا اللهاث المجنون على الجمع و التملك و الاكتناز .. فلن نزداد بذلك أمنا ، لا داعي لكل هذا السباق و القتل على السلطة فلن نزداد بذلك قوة . اطمئن قلبا أيها المؤمن و أعرض عن هذه الغابة التي يتعارك فيها الكل بالمخلب و الناب ، قل كلمتك و الزم معرفتك و اعمل على شاكلتك ، و خض البحر فلن تبتل و اعبر أرض الغربة و الوحشة فلن تستوحش فلست وحدك فالله معك .. و أينما كنت فهو معك . لا تقف مع الواقفين أمام " فاترينة " المال و الجاه و النساء الباهرات و الحب و الشهوة و السلطة و سائر غوايات الدنيا . فأنت غنيٌ بما في داخلك عن كل هذا . لا يكن مبلغ همك أن تحب هذه و تلك ، و إنما ليكن همك مجموعا على الله إلهك ، محبوبا لك مطلقا و دائما و أبدا . و حسبك من المرأة التي تختارها المودة و الرحمة و حسن المعاشرة


تعلق القلب لا يصح إلا لواحد ، و انشغال الهمة لا يجوز إلا لواحد ، هو الله وحده جامع الكمالات . إنما جعل عرش القلب ليستوي الرب عليه وحده، و ليس لهذه المرأة أو تلك .. الصبابة لا تليق بالعارف الكامل .. و بهو الملك حق للملك وحده و ليس لأي عابر سبيل ، و الله هو أغنى الشركاء عن الشرك .. و حق على من عرفه حق معرفته ألا يعبد غيره . ألست تقطعه فيصلك ، و تكفره فيرزقك ، و تعصيه فيغفر لك ، و تهجره فيتودد إليك .. و هو من هو المتعال ذو الجلال و الجمال .. فأين هو من هذه و تلك .. ألا يكفيك أن بابه مفتوح أبدا، و عفوه مناد عليك دائما ؟ ألا يحرّك ذلك كوامن الشوق فيك ؟ ألا يثير فيك من الوجد ما لا تثيره هذه و تلك من أشباح ترابية فانية ؟ ألا تعود فتنظر حولك ببصيرة .. و تنظر في داخلك بإلهام .. قبل أن يجرفك التيار إلى عالم الوحشة و إلى البحر الطام الذي يتخبطه الشيطان من المس ؟ ألا تغريك هذه الكلمات بلحظة تأمل و بوقفة مع النفس تعيد فيها النظر . بقليل من التصرف



__________________________

من كتاب ( الإسلام .. ما هو ..؟ ) للدكتور مصطفى محمود

Jan 2, 2008

أراد أن يرحمها


هي صاحبة مال و جمال و دلال.. في أناملها الرقيقة المرصعة من خواتم الألماس و الزمرد ما يكفي لبناء جامعة. وعلى كتفيها معطف أنيق من فراء الفيزون النادر يكفي للإنفاق على مستشفى. و في " جراج البابا " ثلاث عربات مرسيدس أمد الله في عمره وهو لا يرد لها طلبا.. و كلما رفض لها عريسا زادها في أصابعها خاتما. وهي بعد أن امتلكت الدنيا لا تعرف ماذا تريد بالضبط. و هي و إن كانت لا تعرف ماذا تريد، فإنها تعرف تماما ماذا ترفض. وهي ترفض كل ما يطرق عليها الباب. حتى الطقس ترفضه.. فهو دائما حار أكثر من اللازم.. أو بارد أكثر من اللازم.. أو غائم أكثر من اللازم.. أو صحو أكثر من اللازم.. أو رطب أكثر من اللازم. كما أن الطعام دسم أكثر من اللازم.. أو مملح أكثر من اللازم.. أو مسكّر أكثر من اللازم.. أو ساخن أكثر من اللازم.. أو بارد أكثر من اللازم. و لابد أن ترى في كل شيء عيبا، نوع من الدلع و سوء التربية، عقدة الترف و الوفرة. و أف من هذا.. و أف من ذاك.. بردانة.. حرّانة.. متضايقة.. قلقانة.. زهقانة.. يرن تليفونها كل ثلاث دقائق، تبكي بلا سبب، من الضجر أحيانا.. أو من عبء حرية لا تعرف فيما تنفقها و لا كيف تنفقها. أو من أثقال ثروة لا تعرف كيف تبددها. أو من وطأة زمن لا معقول يجرجر وراءه العقم و اللاجدوى.. و العبث الفارغ. رأيتها تدور كالفراشة حول غرفة نوم في معرض موبيليا.. و تحملق في الأثاث المترف بعيون نائمة.. على السرير.. بطاقة بثمن 26 ألف جنيه. و من خلال أهدابها المطلية بالماسكارا تتأمل وسائد ريش النعام و الدولاب المكسو بالشاموا و الأزرار الإلكترونية في متناول اليد التي تطفئ و تدير و تغير قنوات التليفزيون المثبت في أقصى السرير، و تشغل الستريو و البيك آب و الكاسيت. و سمعتها تمط شفتيها و تهمس في نبرة لا مبالية.. موش بطال. لا شك أنها سوف تحدّث صاحبها في التليفون بعد دقائق في شأن هذه الغرفة. ولا شك بعد ذلك أنها سوف تنسى الموضوع، ثم إنها لن تُفاجأ كثيرا حينما تطرق بابها عربة الأثاث تحمل إليها غرفة النوم الأنيقة، و لا شك أنها سوف تتمدد عليها كقطة.. و لا شك أنها سوف تتثاءب في ملل بعد دقائق.. ثم ما تلبث أن تفقد الشعور بجمالها و طرافتها. فإنها كالعادة.. كل شيء تملكه ما تلبث أن تزهده، ثم يعود كابوس الملل و الضجر.. و الزمن الثقيل الذي يجرجر قطار اللاجدوى يضغط على أعصابها


لا تحتقروها يا سادة.. و لكن أشفقوا عليها.. فإن الله لم يحتقر شيئا حين خلقه، و لو أنه احتقر شأنها لما خلقها من البداية.. و لكن كل ما في الأمر.. أنها امرأة مدللة لم تجد الأب الذي يؤدبها، و لا الأم التي تنهرها ،و لا الدنيا التي تقهرها.. و لكن الله لا يهمل أحدا.. و قد كتب على نفسه في أزله الرحمة للجميع. و قال عن نفسه أنه الرب لا رب سواه.. و قد اقتضت رحمته أن يقسو أحيانا على بعض خلقه ليصلحهم.. فإنه لا يرضى أن تكون لنا عيون و لا نبصر و تكون لنا آذان و لا نسمع، و قد شق اللحم ليفتح عيون الأجنة في الأرحام، كما شق الرؤوس ليفتح مجاري الآذان.. و قد شاء ربنا عنايةً منه بهذه المرأة أن يرحمها. فصحت الجميلة ذات صباح لتكتشف أنها مسلوبة نعمة البصر. انطبقت الظلمة على عينيها تماما فلم تعد تبصر شيئا. وصرخت و بكت و ارتعدت رعبا، و اجتمع على رأس فراشها طب الأمريكان و الإنجليز و الفرنسيين و الأسبان. وتداول علماء الشرق و الغرب و انفضوا و هم يقلبون الأكف يأسا ًو عجزاً. و لا شفاء.. و لا حل.. و لا أمل في حل.. و في الظلمة المطبقة المطلقة.. كانت تتحسس وجه حبيبها و تبكي في حرقة و تهمس. هل تصدق أني لم أرى وجهك.. حينما كانت لي عينان و حينما كان لي بصر لم أكن أراك، لم أكن أرى سوى رغباتي، لم أكن أشعر إلا بنفسي، لم أكن أرى أحدا.. كان العالم كله مجموعة من المرايا لا أرى فيها إلا وجهي أنا.. و جمالي أنا.. و رغباتي أنا.. اليوم فقط أحاول أن أستشف ملامحك بأناملي، و أحاول أن أتعرف عليك.. و أحاول أن أقترب منك. يا حبيبي كم أتمنى أن أراك.. و أن أعاشر وجهك بعيني. و بكت و غسلت يديه بدموعها. صدّقوها يا سادة.. فهذه أول مرة تطلب شيئا بحق و تتمنى شيئا بحق.. و تشعر على وجه اليقين أن هناك شيئا يسعدها.. صدّقوها... و اسألوا لها الشفاء. فاليوم وُلدت إنسانيتها.. بفعل من أفعال الرحمة الإلهية.. و بسر من أسرار الله الذي يخفي رحمته في عذابه


_________________________

من كتاب " أناشيد الإثم والبراءة " للدكتور مصطفى محمود